Story
في قرية كوم غريب بمركز طما في سوهاج، وُلد يسى ميخائيل في أسرة محبة لله. منذ صغره التصق بالكنيسة، أحب الإنجيل والتسابيح، وتعلّم أن القلب الذي يعيش مع الله لا يحتاج إلى شهرة كبيرة. كان هادئًا، عفيفًا، محبًا للصلاة، وفي شبابه ظل يبحث عن الجو الذي يحفظ سلامه الداخلي.
سافر إلى القاهرة ليعمل، لكنه لم يجد في العمل والمدينة ما يشبع روحه. فرجع إلى قريته، وهناك كانت العناية الإلهية تنتظره. في سنة 1905 رُسم كاهنًا على كنيسة الأنبا شنودة رئيس المتوحدين بكوم غريب، وظل يحمل اسمه: أبونا يسى. لم تكن خدمته قائمة على الكلام الكثير، بل على الأبوة والصبر والقداس والافتقاد ومشاركة الناس آلامهم.
عاش أبونا يسى صليبًا حقيقيًا. فقد ابنه الوحيد، ومرضت زوجته وفقدت بصرها. ومع ذلك لم يعرفه الناس متذمرًا، بل شاكرًا ومحتملًا. لذلك أحبه أهل القرية ورأوا فيه كاهنًا يعيش ما يعلّمه. كان بسيطًا، قريبًا من الفقراء، واثقًا أن الله حاضر في تفاصيل الحياة الصغيرة.
وتناقلت الناس عنه عجائب كثيرة. من أشهر ما يُروى أنه كان يقرأ الإنجيل ليلًا في زمن لم تكن فيه كهرباء بالقرية، وكانت بجانبه شمعة. وحين أمسك بالإنجيل أضاءت الشمعة وحدها، فقال بهدوء إن ملاك الرب يخدم أولاد الله. هذه القصة تعبّر عن الصورة التي بقيت في قلوب محبيه: أب كاهن يرى السماء قريبة، ويجعل الآخرين يطمئنون إلى عناية الله.
وقبل نياحته عرف ميعاد انتقاله. نزل إلى الكنيسة، ودار بالبخور حول المذبح كمن يودع المكان الذي خدمه طول عمره. ثم تنيح بسلام في 10 يونيو 1962. وبعد نياحته استمرت محبته حاضرة في كوم غريب، وجاء كثيرون يطلبون صلواته، وتحدثوا عن شفاء وتعزية ببركته. لم تكن محبة الناس له مجرد إعجاب بمعجزات، بل تقدير لحياة كهنوتية طويلة عاشها بينهم، عرف فيها أسماءهم وبيوتهم ودموعهم. لذلك صار قبره وذكراه مكان رجاء للمتعبين، وعلامة أن الكاهن الأمين يظل أبًا حتى بعد انتقاله. هكذا بقي أبونا يسى في ذاكرة الكنيسة: كاهنًا بسيطًا، حمل الصليب بفرح، وجعل من القرية الصغيرة موضعًا مضيئًا بمحبة المسيح.