Story
القديس سمعان ابن كليل بن مقارة، الملقب بالمكين، كان من أبناء الشعب القبطي في مصر، ومن أقرباء بيت ابن العميد الكريم. نشأ عالمًا متمكنًا من فنون الكتابة، وخدم العالم زمانًا كاتبًا في ديوان الجيش في أيام الناصر صلاح الدين.
غير أن بهاء القصور ومديح الناس لم يُشبعا شوق نفسه، فتذكّر قول الرب: ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟ فوجّه قلبه نحو البرية، وألقى عنه قلم الخدمة الزمنية، وحمل عوضًا عنها نير المسيح.
وفي أيام البابا أنبا يوأنس الخامس، البطريرك الثاني والسبعين، نزل إلى برية شيهيت، برية وادي النطرون التي قدّسها الآباء العظام، وهناك في دير القديس أنبا يوأنس القصير لبس الإسكيم الملائكي، وكرّس ذاته كلها للحياة الرهبانية.
صار متوحّدًا حقيقيًا، باذلًا لياليه وأيامه في الصلاة والصوم وتأمل الأسفار الإلهية بلا انقطاع. ويروي الآباء عنه أنه كلما ضغطت عليه أفكار العالم، تذكّر كلام الرب، فهدأت نفسه للحال وامتلأت سلامًا، فذاق في قلايته العزاء الموعود به للذين يتركون كل شيء من أجل الملكوت.
ومن ثمر سكونه وضع للإخوة كتابًا جميلًا في اثني عشر بابًا، سمّاه "روضة الفريد وسلوة الوحيد"، كتبه بأسلوب مسجّع رصين تكلّم فيه عن الغاية التي لأجلها خلق الله الإنسان، وعن الإيمان ومخافة الله، وعن الصلاة والصوم، والصبر والصدقة، والطهارة والتواضع، والغفران والقناعة، لتُساق نفس القارئ درجةً درجةً نحو السماء.
وتعب أيضًا في الذود عن الإيمان وشرحه، فوضع مقالة في وحدانية الباري وتثليث أقانيمه، وشروحات في الإنجيل المقدس مستندًا إلى أقوال الآباء. وهكذا صار الكاتب الذي دوّن يومًا أمور جيشٍ أرضيٍّ كاتبًا لأمور الله، جامعًا حكمةً لبيت المسيح.
وبعد أن شاخ في السيرة المقدسة وامتلأ فضيلةً، تنيّح هذا الأب المبارك بسلام في بريته في مطلع القرن الثالث عشر، وقُبلت نفسه في حضن القديسين الذين أحبهم واقتدى بهم.
بركته وصلاته تكون معنا. آمين.