Story
في مثل هذا اليوم من سنة ٩٧٠ للميلاد، تنيَّح القديس الأنبا إبرآم، البطريرك الثاني والستون من بطاركة الكرازة المرقسية. كان هذا الأب من نسل مسيحيي المشرق، واسمه ابن زرعة السرياني. وكان تاجرًا غنيًا يتردَّد على مصر كثيرًا، ثم استقرَّ بها أخيرًا. وقد وُهب فضائل كثيرة، منها الرحمة بالمحتاجين، حتى ذاع صيته في البرِّ والمعرفة.
ولما خلا الكرسي البطريركي، اتَّفق الأساقفة والشيوخ العلماء جميعًا على اختياره بطريركًا. ولما جلس على كرسي مار مرقس، وزَّع كل ما يملكه على الفقراء والمحتاجين.
وفي أيامه، عُيِّن قزمان ابن مينا الوزير القبطي واليًا على فلسطين. وقبل ذهابه إلى منصبه الجديد، أودع لدى الأب البطريرك مئة ألف دينار، طالبًا منه أن يحفظها حتى عودته، وأن يوزِّعها الأب على الفقراء والمحتاجين والكنائس والأديرة إن مات هناك. ولما بلغ البطريركَ خبرُ استيلاء حفتكين (القرمطي) على سوريا وفلسطين، ظنَّ أن قزمان قد مات، فوزَّع ذلك المال بحسب وصية قزمان. غير أن قزمان نجا من الموت وعاد إلى مصر، فأخبره الأب البطريرك بما فعله بالمال، ففرح قزمان وسُرَّ سرورًا عظيمًا.
ومن أعماله أنه أبطل بعض العادات الفاسدة والخاطئة. فمنَع وحرَم كل من يأخذ رشوة من أحد لينال بها رتبةً كهنوتيةً، ونهى نهيًا شديدًا عن اتخاذ السراري. ولما عرف الذين كانوا يفعلون ذلك أوامره، حرَّكهم خوف الله، وخشوا أيضًا أن يحرمهم البطريرك، فأطلقوا جميع سراريهم وأتوا إلى البطريرك تائبين، ما عدا رجلًا واحدًا من أغنياء البلاد. فهذا الرجل لم يخشَ الله، ولم يبالِ بأن هذا الأب — الذي وبَّخه مرارًا وتأنَّى عليه كثيرًا — سيحرمه، ولم يرجع عن طريقه الشرير، ولم يخشَ أن يهلكه الله. ومع ذلك لم يفتر هذا الأب عن تعليمه وتوبيخه.
بل إنه اتَّضع كالمسيح معلِّمه، وذهب إلى بيت ذلك الرجل. فلما سمع الرجل بوصول البطريرك إلى بيته، أغلق الباب ورفض أن يأذن له بالدخول. فبقي الأب واقفًا عند الباب ساعتين يقرع، فما فتح له الرجل الباب ولا كلَّمه. فأدرك الأب أن هذا الشقي قد فصل نفسه عمدًا عن قطيع المسيح وصار عضوًا فاسدًا، فرأى البابا أن يقطعه من جسد الكنيسة لئلا يُفسد بقية الجسد. فحرمه قائلًا: «ليكن دمه على رأسه»، ثم نفض البابا الغبار عن نعليه عند باب بيت ذلك الرجل. وفي تلك اللحظة أظهر الله آيةً أمام أعين الحاضرين، إذ انشقَّت عتبة الباب — وكانت من الغرانيت — إلى نصفين.
وبعد ذلك أظهر الرب قوته، ففقد الرجل كل ثروته، وعُزل من منصبه بخزي، ومرض مرضًا أدَّى إلى موته بطريقة بشعة. فصار عبرةً لغيره، إذ اتَّعظ كثيرون من الخطاة وخافوا بسبب ما حدث له.
وفي أيام هذا الأب، كان للخليفة المعزِّ وزيرٌ يهودي اسمه يعقوب ابن يوسف، قد اعتنق الإسلام. وكان لذلك الوزير صديق يهودي (ابن كلِّس) يتردَّد معه كثيرًا على الخليفة ويحادثه. فانتهز ذلك اليهودي ما كان لصديقه من حظوة عند الخليفة، ووجد في ذلك فرصةً ليطلب حضور الأب البطريرك ليناظره. فحضر الأنبا إبرآم ومعه الأنبا ساويرس ابن المقفع أسقف الأشمونين. فأمرهما المعزُّ بالجلوس فجلسا صامتَين. فسأل: «لماذا لا تتناظران؟» فأجاب الأنبا ساويرس: «كيف نجادل بحضرة الخليفة رجلًا أقلَّ فهمًا من الثور؟» فطلب المعزُّ تفسيرًا، فقال الأنبا ساويرس: «إن الله قد نطق على فم النبي قائلًا: ”اَلثَّوْرُ يَعْرِفُ قَانِيَهُ وَالْحِمَارُ مِعْلَفَ صَاحِبِهِ، أَمَّا إِسْرَائِيلُ فَلاَ يَعْرِفُ“» (إشعياء ١:٣). ثم ناظرا ذلك اليهودي وأخزياه بكل الحجج الدامغة التي تثبت صحة الإيمان المسيحي، ثم انصرفا من عند المعزِّ بإكرام عظيم.
ولم يستطع الوزير وصديقه اليهودي احتمال تلك الإهانات، فتحيَّنا الفرصة للانتقام من المسيحيين. وبعد أيام قلائل، ذهب الوزير اليهودي يعقوب ابن يوسف إلى المعزِّ وقال له بخبث: «يعلم مولانا الملك أن إيمان المسيحيين ليس له أساس سليم، فإن إنجيلهم ينصُّ على: ”إِنْ كَانَ لَكُمْ إِيمَانٌ مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ، تَقُولُونَ لِهَذَا الْجَبَلِ انْتَقِلْ مِنْ هُنَا إِلَى هُنَاكَ فَيَنْتَقِلُ.“ (متى ١٧:٢٠) وأمير المؤمنين(١) يعلم بطلان هذه الأقوال. وللتحقُّق من ذلك، نستدعي البطريرك ليأتينا بالبرهان على أن أقوال مسيحهم صحيحة.»
فقال الخليفة في نفسه: «إن كان قول المسيح صحيحًا، ففي ذلك نفع عظيم لنا، فإن جبل المقطَّم قريب جدًا من القاهرة؛ فلو أمكن نقل الجبل بعيدًا، لجعل ذلك موضع المدينة أعظم مما هو الآن. وإن لم يكن القول صحيحًا، فذلك يعطينا مبرِّرًا لاضطهاد المسيحيين.» فدعا المعزُّ الأب البطريرك، وعرض عليه هذا القول، وطلب منه البرهان على صحته. فطلب البابا مهلة ثلاثة أيام، فمُنحت له.
ولما خرج البابا من عند الخليفة، جمع الرهبان والأساقفة الذين بقربه، ومكثوا جميعًا في الكنيسة المعلَّقة بمصر القديمة ثلاثة أيام صائمين متضرِّعين إلى الله. وقبيل فجر اليوم الثالث، إذ غلب النعاس على الأنبا إبرآم من شدة التعب، ظهرت له سيدتنا العذراء القديسة مريم والدة الإله، وقالت له أن يقوم ويذهب إلى الشارع المؤدِّي إلى السوق، فيجد هناك رجلًا أعور يحمل جرَّة ماء على كتفه، وأوصته أن يخبره بأنه هو الرجل الذي اختاره الله ليُجري هذه الآية. وكان اسم هذا الرجل القديس سمعان، وكان دبَّاغًا.
فأخذه الأب البطريرك ومعه بعض الكهنة والرهبان والشعب ليذهبوا إلى المعزِّ، الذي كان قد خرج مع رجال الدولة وأعيان المدينة إلى قرب جبل المقطَّم. فوقف الأب البطريرك ومن معه في جانب، ووقف المعزُّ وحاشيته في جانب آخر. وصلَّى الأب البطريرك والمؤمنون، وسجدوا ثلاث مرات، وكانوا في كل سجدة يقولون: «كيرياليسون» يا رب ارحم. وكلما رفع البطريرك والشعب رؤوسهم بعد كل سجدة، ارتفع الجبل، وإذا سجدوا انخفض الجبل إلى الأرض، وكلما ساروا تحرَّك الجبل أمامهم. فوقع خوف عظيم على الخليفة وأصحابه، وسقط كثيرون على الأرض.
فتقدَّم الخليفة على فرسه نحو البطريرك وقال: «أيها المعلِّم العظيم، قد علمت الآن أنك رجل قديس، فاطلب ما شئت وأنا أعطيك إياه.» فأبى البطريرك أن يطلب شيئًا، فلما ألحَّ عليه الخليفة، طلب من الوالي أن يسمح له ببناء الكنائس، ولا سيما كنيسة [القديس أبي سيفين (مرقوريوس)](/ar/saint/st-philopater-mercurius-abu-sifein) التي كانت بمصر القديمة. فكتب له مرسومًا يأذن ببناء الكنائس وترميمها، وأعطاه مبلغًا كبيرًا من المال من الخزينة. فشكره البطريرك وصلَّى لأجله، لكنه أبى أن يأخذ المال. فزاد المعزُّ توقيرًا واحترامًا له من أجل تقواه وبرِّه.
ولما شرعوا في بناء كنيسة أبي سيفين، منعهم بعض الأشرار من العمل، فأتى المعزُّ إلى الموقع وأبعد المشاغبين، وبقي هناك واقفًا حتى أتمُّوا وضع الأساس. وقد رمَّم هذا الأب كنائس كثيرة في جميع أنحاء الكرازة المرقسية.
ولما أكمل سعيه، تنيَّح بسلام بعد أن جلس على الكرسي ثلاث سنوات وستة أيام. صلاته تكون معنا. آمين.
٢. استشهاد القديس أناطوليوس (أناطولي). في مثل هذا اليوم أيضًا نُعيِّد لاستشهاد القديس أناطوليوس (أناطولي – بطلس) القس والشهيد. صلاته تكون معنا، ولإلهنا المجد دائمًا. آمين.
_______________ (١) أحد الألقاب التي كانت تُستخدم في مخاطبة الخلفاء المسلمين