Story
مارون أو القديس مارون أو مار مارون كما هو شائع، ( بالسريانية : ܡܪܝ ܡܪܘܢ ) ناسك وراهب وكاهن عاش في شمال سوريا خلال القرن الرابع ، يعتبر واحدًا من أشهر الشخصيات السوريّة السريانية الكنسية ، لكونه يرتبط مع الكنيسة السريانية الأنطاكية المارونية التي تعتبره مؤسسًا وشفيعًا وأبًا، ولذلك يقول المطران يوسف الدبس ، رئيس أساقفة بيروت المارونية أواخر القرن التاسع عشر في كتابه “ الجامع المفصل في تاريخ الموارنة المؤصل: ” إن تاريخ الموارنة يبدأ بمناقشة مار مارون الذي يعتبر مؤسس هذه الطائفة وشفيعها.
كلمة مارون في اللغة السريانية تصغير للفظة «مار» والتي تعني السيّد، والتي بدورها تصغير عن لفظة «موران» والتي تعني «سيد السادة أو السيد الأكبر» وتستخدم في اللغة السريانية كإحدى ألقاب الله . لا يوجد اليوم سيرة مفصلة أو سجل دقيق عن حياته ونشاطاته. وتعتبر شهادة أسقف المنطقة التي تنسك بها مار مارون ثيودوريطس المرجع الأساسي الوحيد عنه؛ أغلب الباحثين الموارنة وغير الموارنة يجعلون مارون رئيسًا للرهبان والنساك في منطقة سوريا الشمالية، وذلك استنادًا إلى ثيودوريطس ذاته حين يقول: إن أكثر النساك في منطقة قورش ساروا على طريق مارون الناسك ملتزمين به.
هناك أيضًا من يشير إلى أن مار مارون كان المسؤول الأول عن نشر المسيحية في شمال سوريا، فمن المعروف أن الوثنية كانت قوية الجذور تلك النواحي بداية القرن الخامس في حين أن ثيودوريطس نفسه يذكر في رسالة بعث بها إلى البابا ليون الكبير ( 440 - 461 ) أنه يتولى شؤون ثمانمائة كنيسة، أي أن أغلب سكان المنطقة قد اعتنقوا المسيحية.
رغم عدم وفرة المراجع القديمة التي تذكره، فإنّ مختلف الدراسات والأبحاث التي وضعت حول مار مارون وحول الكنيسة المارونية عمومًا، خصوصًا إثر تأسيس المدرسة المارونية في روما أواخر القرن السادس عشر إلى جانب عمليات التنقيب والبحث شمال حلب أواخر القرن العشرين ، أدت إلى رسم صورة تفصيلية عن حياة القديس مارون ونشاطه.
أقدم الشهادات التي يعتمد عليها في معرفة حياة مار مارون ونشاطه هي شهادة أسقف القورشية ثيودوريطس في كتابه “ تاريخ أصفياء الله ” الذي وضع حوالي العام 423 وبشكل أقل أهمية رسالة القديس يوحنا الذهبي الفم التي وجهها لمار مارون بداية القرن الخامس ، هناك أيضًا ذكر عرضى له في كتاب الهدى الماروني الذي يعود للقرن العاشر رغم تشكيك البعض بكون مؤلف الكتاب مارونيًا.
الدراسات والأبحاث الحديثة حول مار مارون والتي قام بها مؤرخون ونقاد موارنة وغير موارنة في الشرق والغرب خصوصًا بعد القرن السادس عشر بدءًا من المطران جبرائيل القلاعي رئيس أساقفة قبرص المارونية والذي وضع في كتابه “ مارون الطوباوي ” أول مؤلف مفصل في العصور الحديثة حول تاريخ الكنيسة المارونية ، مرورًا بمؤلفات خريجي المدرسة المارونية في روما والبطريرك إسطفان الدويهي من إهدن في الهزيع الأخير للقرن السابع عشر والذي وضع كتاب “ تاريخ الطائفة المارونية ”، وكرس فصلين كاملين للحديث عن مار مارون وأصل مصطلح موارنة.
الدراسات والبحوث لم تتوقف وشهد القرن التاسع عشر ظهور بعض الباحثين من الكنيسة السريانية الأرثوذكسية والكنيسة السريانية الكاثوليكية حاولوا تفنيد النظرة التقليدية حول مار مارون وتاريخ الكنيسة المارونية، أمثال المطران إقليمس داوود الذي وضع كتاب “ جامع الحجج الراهنة في إبطال دعاوى الموارنة ” عام 1873 والذي قلل من أهمية مارون ودوره ونسبة الموارنة له، وردّ عليهم باحثون موارنة أمثال المطران يوسف الدبس في كتابه “ الجامع المفصل في تاريخ الموارنة المؤصل ” والقس يوحنا باذنجانة في كتابه “ مرآة الشرف الوضية في تاريخ الملة المارونية ” والبطريرك بولس مسعد في كتابه “ الدر المنظوم ”.
خلال القرن العشرين صدر عدد آخر من المؤلفات أبرزها “ تاريخ الموارنة الديني والدنيوي ” للأب بطرس ضو، وتم التطرق خلاله لأول مرة لفرضية التنقيب عن أماكن تنسك مار مارون في شمال حلب ، وقد عبر خلال هذه الفترة العديد من المستشرقين عن آرائهم في القضية أمثال الأب اليسوعي هنري لامنس. أخيرًا قام الباحث غسان الشامي بالتعاون مع لجان من الولايات المتحدة الأمريكية بالتنقيب في مناطق شمال حلب حول أماكن تنسك مار مارون، ويمكن القول أنه بات اليوم عرض مفصل عن حياة القديس ونشاطه. وقام المجمع البطريركي الماروني الذي ختم أعماله في يونيو 2006 بالإشارة إلى مار مارون خلال الحديث عن “هوية الكنيسة المارونية”.
الخطوط العريضة المتفق عليها بين مختلف الباحثين أن القديس مارون قد ولد وعاش في النصف الثاني من القرن الرابع وأنه سرياني اللغة والعرق ، ضمن منطقة سوريا الأولى الشماليّة وتسمّى أيضًا الجوفاء والتي كانت عاصمتها أنطاكية ، في وقتٍ كانت فيه الوثنية قوية الجذور تلك النواحي. من المتفق عليه أيضًا أن الناسك مارون قد ترك الحياة العامّة واعتزل على قمة جبل في المنطقة القورشيّة شمالي غربي مدينة حلب وكرّس على قمة هذا الجبل، معبدًا وثنيًا مهجورًا، ربما كان للإله نبّو المنتشرة عبادته في تلك الأصقاع، ككنيسة يقوم فيها بتأدية شعائر العبادة.
أما هو فقد عاش تحت جو السماء دون سقف سوى خيمة صغيرة لم يكن يستظل بها إلا نادرًا، وسرعان ما انتشر صيته، فأخذ سكان القرى والبلدات المجاورة بالإيفاد عليه للاستماع إلى وعظه وتعليمه بل وللأعاجيب التي كان يجترحها أيضًا، على ما يذكر ثيودوريطس . كان أول ذكر تاريخي للقديس مارون الذي ورد في رسالة بعث بها بطريرك القسطنطينية يوحنا الذهبي الفم من منفاه في القوقاز حولي سنة 404 أو 405 ، إلى مارون «الكاهن والناسك»، وتظهر الرسالة تحت العدد السادس والثلاثون من رسائل يوحنا الذهبي الفم والمنشورة في مجموعة «الآباء اليونان» للمؤرخ مين.
تدل الرسالة أن البطريرك كان يعرف الناسك معرفة شخصية، وهو ما دفع المؤرخ البطريرك الدويهي للقول بأن الذهبي الفم ومارون كانا صديقي دراسة في أنطاكية قبل أن يتبنى كل منهما نمط الحياة النسكية. يعبر الذهبي الفم في الرسالة عن مشاعره الودية نحو القديس مارون ويقدر تقواه الشديدة، ويعلن رغبته في المراسلة على نحو متكرر، وهو ما كانت تحول دون تحققه صعوبة العثور على مسافرين من القوقاز تجاه ضواحي حلب ، ويستفهم الذهبي الفم بحرارة عن صحة مارون ويختتم طالبًا دعاءه والصلاة لأجله.
إن الرسالة مدار البحث، يغلب عليها الطابع الشخصي ولا تحمل الكثير من المعلومات، ما دفع بعض البحاثة والمؤرخين لنفي صحيتها كدليل، لا سيّما أنها موجهة إلى ناسك يدعى مارون دون أي إشارة تجزم أنه مارون الذي أشار إليه ثيودوريطس ، بيد أن قسمًا آخر من الباحثين يدعمهم الرأي الكنسي التقليدي، استبعدوا وجود مارونين عاشا في الفترة نفسها وفي المنطقة نفسها، ولم ينل التأريخ سوى واحد منهما، خصوصًا في كتاب “ تاريخ أصفياء الله ” لثيودوريطس ذاته الذي أرخ حياة القديس مارون، وهو ما دفع للقول بأن مارون ثيودوريطس ومارون الذهبي الفم هما الشخص نفسه.
استدل النقاد المشككون بأن أسقف قورش ثيودوريطس لم يصرّح بأن الناسك مارون كان كاهنًا على عكس الذهبي الفم الذي وصفه بالكاهن والناسك، إلا أنّ ثيودوريطس في الوقت ذاته استخدم مصطلحات ضمن حديثه عن مارون لا تستخدم في اللغة الكنسيّة والإكليريكيّة إلا للكهنة وحدهم «كتكريس» معبد أو «مباركة» المرضى، فكهنوت القديس مارون واضح ضمنًا في أقوال ثيودوريطس وإن لم يذكره صراحة، حسب القسم الأكبر من الباحثين وحسب الرأي الكنسي التقليدي أيضًا.