السيرة
وُلد نجيب حوالي سنة 1910 في قرية زرابي بجوار دير المحرق في أسيوط. كان أبوه ترزيًا، فتعلّم المهنة منذ صغره، لكنه تعلّم أيضًا العربية والقبطية، وخدم قارئًا في الكنيسة. قبل أن يدخل الدير كان قلبه قد تعود الوقوف أمام الله، وسماع الألحان، وحفظ رائحة الصلاة.
في حوالي سنة 1939 اتجه إلى البرية، فأقام أولًا في دير الأنبا بولا، ثم انتقل سنة 1941 تقريبًا إلى دير الأنبا أنطونيوس، وهناك صار الراهب يسطس الأنطوني. لم يكن رئيس دير، ولا أسقفًا، ولا كاتبًا مشهورًا، ولا واعظًا يجمع الناس حوله. كانت عظته هي حياته نفسها: فقر اختياري، صمت، صلاة، وتجرد من كل ما لا يلزم.
تصفه المصادر بثياب بسيطة بالية، وقلاية فقيرة، وطعام قليل، وقلب لا يريد أن يملك شيئًا. لم يكن الفقر عنده مظهرًا، بل حرية داخلية. وكان إذا وقف في الكنيسة ظهر عمق آخر في حياته. يعرف القبطية، يرنم التسبحة، ويقف أمام الأيقونات كإنسان لا يطلب شيئًا إلا المسيح.
اشتهر بسؤال صغير كان يكرره: "الساعة كام؟" لم يكن السؤال لمعرفة الوقت فقط، بل كان تذكرة روحية. العمر قصير، واليوم يمضي، والإنسان سيعطي حسابًا عن حياته. بكلمات قليلة كان يوقظ الضمير دون قسوة، ويدعو الزائر أن ينتبه للوقت الذي أعطاه الله له.
لم يترك كتبًا ولا عظات كثيرة، لكن سيرته بقيت كتابًا مفتوحًا. من يقرأ حياته يرى أن التجرد ليس احتقارًا للخليقة، بل تحريرًا للقلب من التعلق. ويرى أن الصمت ليس فراغًا، بل امتلاء بالصلاة. لذلك كان حضوره البسيط يعلّم الرهبان والزوار أن القداسة تبدأ من الأمانة في الخفاء.
تنيح أبونا يسطس سنة 1976 ببساطة تشبه حياته. وتحتفظ الذاكرة الشعبية بقصص عن نور وعجائب بعد نياحته، لكن أعظم عجيبة هي أن راهبًا صامتًا وفقيرًا صار حاضرًا بقوة في قلب الكنيسة. وفي 9 يونيو 2022 أعلنت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية قداسته رسميًا. سيرته تقول إن القداسة لا تحتاج صوتًا عاليًا، بل قلبًا صاحيًا أمام الله.
ومن يقترب من سيرته يتعلم أن الوقت عطية، وأن الصمت قد يصير صلاة.