Story
كان القديس دوروثيؤس الطباسي من أهل صعيد مصر (الطيبة - الثيباييد)، وفي شبابه ترك العالم ووهب نفسه كليًّا للحياة النسكية في برية مصر. أقام ستين عامًا في مغارة في الصحراء قرب البحر، على نحو ستة أميال خارج مدينة الإسكندرية العظيمة، جاهدًا في الهدوء والصلاة بلا انقطاع.
كانت سيرته جهادًا متواصلاً وتعبًا شديدًا. ففي حرّ النهار كان يخرج تحت الشمس المحرقة ليجمع الحجارة على شاطئ البحر، ويبني بها قلالي. وكان يُكمل نحو قلاية واحدة كل سنة، ثم يهبها بسخاء للرهبان الذين لا يقدرون أن يبنوا لأنفسهم مسكنًا، فكان لا يتعب لنفسه بل لأجل إخوته. وفي الليل، لئلا يستسلم للنوم، كان يضفر الحبال من سعف النخل، ومن عمل يديه كان ينال القليل الذي يحتاجه ليعيش.
كان طعامه ستّ أواقٍ من الخبز وقليلاً من العشب البري في اليوم، مع قليل من الماء، ولم يكن يأكل إلا مرة واحدة في اليوم. ولم يكن يضطجع على فراش قطّ، ولا يأخذ راحة بإرادته، بل كان النوم يغلبه رغمًا عنه، أحيانًا وهو في عمله وأحيانًا وهو يأكل حتى يسقط الطعام من يده من شدة التعب. ولما سأله تلميذه بلاديوس، الذي أقام معه ثلاث سنين ليتعلّم طريق النسك، لماذا يُتعب جسده الشيخ بهذه القساوة، أجاب الشيخ القديس قائلاً: "هو يقتلني، وأنا أقتله."
وحدث مرة أنه وُجد في البئر التي يستقي منها النسّاك ما خُشي أن يكون قد أفسد الماء، فظنّ الإخوة أنه صار مسمومًا. أما دوروثيؤس فاستقى الماء بيده وهو صائم، ورشمه بعلامة الصليب، وشرب منه أولاً قائلاً: "حيث يعبر الصليب، تبطل قوة كل شرّ."
وبعد جهاده الطويل تنيّح الشيخ القديس بسلام في شيخوخة صالحة، وقد أرضى الله بصبره واحتماله. تُقام تذكاره في السادس عشر من شهر سبتمبر. بركة صلواته تكون معنا. آمين.