Popularity rank 74

مار شربل

Story

في جبال لبنان الشمالية العالية، في قرية بقاع كفرا التي هي أقرب القرى إلى السماء، وُلد في سنة 1828 طفلٌ سُمّي يوسف مخلوف. كان أصغر خمسة أولاد في بيتٍ يخاف الله. وقد تنيّح أبوه وهو ابن سنتين، فربّته أمّه التقيّة على محبّة المسيح والعذراء. وكان لاثنين من أخواله نسكٌ في محبسةٍ قريبة، فمن سيرتهما نشأ الطفل منذ نعومة أظفاره على الشوق إلى الله.

ولمّا شبّ، كان يرعى القطعان على سفوح الجبال، وكان ينفرد للصلاة بصمتٍ في مغارةٍ مكرّسة لوالدة الإله. وقد دعاه أهل قريته «القديس» إعجاباً بتقواه. ولم يكن قلبه متعلّقاً بالعالم بل بحياة العزلة والصلاة، فترك بيت أمّه في الثالثة والعشرين من عمره وقصد الدير بهدوء.

دخل الرهبانية اللبنانية المارونية، وتاركاً اسمه اتّخذ اسم شربل على اسم شهيدٍ قديس من أنطاكية، ليتسربل بشجاعة الشهداء. وبعد ابتداءٍ شاق، أبرز نذور الطاعة والفقر والعفّة في دير مار مارون عنايا. ثم أُرسل لدرس الكهنوت، ورُسم كاهناً سنة 1859، وعاد إلى عنايا حيث جاهد ست عشرة سنة مثالاً لكلّ فضيلةٍ رهبانية، متفوّقاً قبل كلّ شيء في التواضع والطاعة.

وقد أجرى الله على يده آياتٍ في تلك السنين. ويُروى أنّ السراج الذي كان يسهر على ضوئه ليلاً ملأه له الخادم ماءً بدل الزيت، فبصلاة الراهب القديس أضاء وأنار ساعات الليل. وبهذه الآية تأثّر رؤساؤه، فأذنوا له سنة 1875 بأن يستحبس كلّياً في محبسة القدّيسَين بطرس وبولس فوق الدير.

وهناك، ثلاثاً وعشرين سنة، أطلق شربل العنان لرغائب قلبه السخيّ، حتى قيل فيه إنه «إنسانٌ سكران بالله». فضاعف أصوامه وتقشّفاته، ينام قليلاً ويصلّي كثيراً، ويعمل بيديه في الحقل بموجب قانون الحبساء. كان يحتمل قرّ الشتاء الجبلي القارس دون أن يزيد ثوباً على مسحه الواحد الفقير، ويلبس المسح على جسده، ويقيم سهر الليل الطويل من منتصف الليل حتى تقدمة القداس عند الفجر. وكانت حياته كلّها سجوداً أمام القربان وصمتاً وصلاةً لا تنقطع.

ولمّا انتشر عرف قداسته، أخذ الناس يقصدونه من كلّ صوبٍ لينالوا بركته ويلتمسوا شفاء أجسادهم وخصب أراضيهم. فبصلاته رُدّ إلى صوابه رجلٌ كان يعذّبه جنونٌ عنيف، وانصرفت بكلمته حيّةٌ سامّة بسلامٍ فلم تؤذِ أحداً. وأكرمه المسيحيّون والمسلمون والدروز على السواء، لأنّ نعمة الله كانت تُشرق فيه على الجميع.

وفي كانون الأول من سنة 1898، في الأسبوع السابق لعيد الميلاد، وقف الحبيس القديس ليقيم القداس الإلهي كعادته. وفيما كان يرفع القرابين المقدّسة عالياً عند الرفعة، أصابه الفالج فلم يتمّ التقدمة التي بدأها. ولبث أسبوعاً يردّد على شفتيه صلوات قداسه غير المكتمل، حتى تنيّح بهدوءٍ في الربّ عشيّة عيد الميلاد، وحوله إخوته الرهبان.

ودُفن، لكنّه لم يبقَ خفيّاً. ففي الأشهر التالية رأى إخوته نوراً عجيباً يُشرق فوق قبره، ولمّا فُتح أخيراً وُجد جسده غير منحلٍّ سليماً كأنه حيّ، يفيض دماً وماءً. ومن ذلك الينبوع جرت شفاءاتٌ لا تُحصى: شُفي العميان والصمّ والعرج والمضطربون في عقولهم بلمس رفاته، وانجذبت الجموع إلى التوبة والإيمان عند قبره في عنايا.

القديس شربل مخلوف، حبيس لبنان العجائبي، الإنسان السكران بمحبّة الله، يشفع في العالم كلّه أمام عرش المسيح. بصلواته المقدّسة، يا ربّ، ارحمنا وخلّصنا. آمين.

Hymn

Hymn text is not available in this language yet.