يفتتح البابا شنوده الجزء الثالث من «كلمات روحية للحياة» بتأكيد أن كلمة الله ليست معرفة نظرية ولا مادة للجدل، بل هي خبز يومي للنفس في غربتها. كما كان المنّ يخرج للشعب كل يوم في البرية، هكذا تُعطى كلمة تُشبع القلب والفكر للحاضر، ولا تكفي خبرة الأمس، لأن النعمة متجددة كل صباح، ولأن المؤمن يحتاج أن يأكل من الكلمة يومًا فيومًا حتى يعبر برّيته نحو أرض الموعد. ومن ثم يدعو إلى القراءة اليومية والدرس الروحي العميق للكتاب المقدس، لا قراءة سطحية ولا معرفة عقلية مجردة، بل انحيازًا حقيقيًا إلى الإنجيل، بحيث تصير الكلمة فعلًا وثمرًا وحياة. ويذكّر بأن الآباء الأولين لم يكتفوا بالمطالعة، بل ذاقوا حلاوة الكلمة ومرارتها معًا، وسلّموا الخبرة الروحية للكنيسة، لا من منطق فلسفي أو جدل بشري، بل من شركة حياة مع الله. ولهذا يستشهد بما قاله بولس لتيموثاوس عن المواظبة على القراءة والتعليم، ويؤكد أن تعليم الآخرين لا ينفصل عن تذوق الكلمة أولًا، لأن الإيمان بدون أعمال ميت، أما الكلمة الحية فإذا سكنت في الإنسان صارت حياة عاملة، وحقًا تثمر في السلوك، لا في الكلام وحده. كما يوضح أن التعليم السليم لا يقوم على كثرة الكلام ولا على الظهور، بل على أن تُنير الكلمة الذهن أولًا، ثم تنتقل إلى العمل، فيصير المؤمن شاهدًا بما يعيشه لا بما يردده فقط.
ثم ينتقل البابا شنوده إلى أن الكتاب المقدس كله مكتوب لخلاصنا، وأنه لا يُقرأ كتحليل تاريخي أو سيرة أشخاص، بل كإعلان إلهي متدرج عن قصد الله وفدائه. ويقول إن جهل المؤمن بالكتاب يوقعه في تيه خطير، ولذلك حذر بولس من الجهل في خمسة أمور: الجهل بأحداث الخلاص في العهد القديم، وبعمل الله وتدبيره، وبما كُتب عن الراقدين والقيامة، وبسرّ قسوة إسرائيل ودخول الأمم، وبالمواهب الروحية حتى لا يصير الإنسان متكبرًا أو متباهيًا. ويشرح أن العهد القديم ليس مجرد تاريخ أو أخبار أنبياء، بل هو كتاب رموز ومواعيد وإعلانات، وفيه ظل للمسيح وقصده الخلاصي. فخروج الشعب من مصر، والغمامة التي كانت تظلهم، والعبور في البحر الأحمر، والمنّ النازل من السماء، كلها ظلال لمعانٍ أعمق في المسيح. والبحر هنا يرمز إلى العبور من العبودية إلى الحرية، والغمامة إلى الحماية الإلهية، والمنّ إلى الخبز الحقيقي النازل من السماء، أما الصخرة الروحية فهي المسيح. ويؤكد أن الآباء قرأوا العهد القديم بهذه الروح، مثل القديس أثناسيوس الكبير والقديس كيرلس والآباء النسّاك، فرأوا فيه كشفًا مستمرًا لتدبير الله عبر العصور، لا نصوصًا منفصلة أو أحداثًا جامدة. ويشدّد على أن المؤمن إذا قرأ العهدين بهذه العين الروحية انفتحت له الخلائق والرموز، وصار يرى المسيح في التاريخ، والنعمة في الظل، والخلاص في الوعود.
وفي محور الراقدين والقيامة، يوضح البابا شنوده أن المؤمنين لا ينبغي أن يجهلوا أمر الذين رقدوا، لكي لا يحزنوا كالباقين الذين لا رجاء لهم. فالراقدون في المسيح ليسوا مفقودين، بل منتظرون القيامة والمجد في المجيء الثاني. والقيامة هي التي تكسر شوكة الموت، لأن الروح الذي أقام يسوع من الأموات سيحيي أجساد المؤمنين أيضًا. ومن هنا يربط بين موت المسيح وقيامته وبين يقيننا نحن أيضًا في القيامة، فالموت ليس نهاية مفزعة للمؤمن، بل عبور إلى رجاء أكيد. ولذلك يشدد على أن الحياة المسيحية لا تُبنى على الحزن واليأس، بل على يقين القيامة والاشتراك في حياة الرب. ويشرح أن من يجهل القيامة يصبح أسير خوف وظلمة، أما من يعرفها فينظر إلى الجسد المنتظر مجد الله، ويعيش في طمأنينة لأن الموت لا يملك الكلمة الأخيرة. ثم يضم إلى هذا اليقين رجاء الأبدية، إذ لا تُقاس النهاية بطول العمر على الأرض، بل بالشركة مع المسيح في مجده. ومن هنا تصبح كلمة القيامة عزاء حقيقيًا، لأنها لا تنفي الألم الحاضر لكنها تغلبه برجاء أكيد.
ثم يتناول تحذير بولس من الجهل بسرّ تدبير الله بين اليهود والأمم. يبيّن أن قسوة إسرائيل التي ظهرت في رفض المسيح ليست نهائية، بل جزئية وزمنية، وأن الله يدبّر الخلاص لليهود والأمم معًا. ويشرح بصورة الزيتونة أن الأفرع التي قُطعت من الزيتونة الأصلية قُطعت بسبب عدم الإيمان، وأن الأغصان البرية أُدخلت بالإيمان في الزيتونة الجيدة، لكن هذا لا يدعو إلى الافتخار، لأن الثبات في الإيمان هو ما يحفظ الإنسان. ومن يظن نفسه أفضل، أو يفتخر لأنه دخل إلى النعمة، يعرّض نفسه للقطع، لأن كل شيء قائم على رحمة الله لا على استحقاق بشري. لذلك يحذر من الكبرياء الروحي، ويؤكد أن النظر الصحيح إلى الخلاص يجعل الإنسان متضعًا وممتنًا، لا مزهوًا بذاته. كما يلمّح إلى أن قسوة إسرائيل لا تعني رفضًا مطلقًا، بل هي جزء من خطة الخلاص الواسعة، وأن على المؤمن ألا يتحول إلى قاضٍ على الآخرين، بل أن يقف بخشوع أمام سرّ التدبير الإلهي.
وفي محور المواهب الروحية، يشرح البابا شنوده أن المواهب لا تُعطى للافتخار أو التظاهر، بل لبنيان الكنيسة. فالروح يقسمها كما يشاء، والجسد واحد والأعضاء كثيرة، ولا يجوز لعضو أن يفتخر على آخر أو يحسب نفسه أفضل لأنه نال موهبة معينة. ويضرب مثال العين والأذن: فالعين لا تقوم بما تفعله الأذن، والأذن لا تحل محل العين، لكن كلاهما في الجسد الواحد لخدمة الكل. كذلك الكنيسة جسد المسيح، وكل مؤمن فيه عضو له وظيفته الخاصة، ولا يجوز لأحد أن يحتقر غيره أو يزهد في عطائه. ويشير إلى أن المواهب يمكن أن تتحول إلى سبب اضطراب إذا انفصلت عن المحبة، كما حدث في كورنثوس حيث انشغل البعض بالألسنة والعجائب والآيات، وصاروا يتباهون بمن هو الأعظم، بينما المقصود الحقيقي هو بنيان الكنيسة. وهنا يقرر أن المحبة هي العصَب الذي يربط الجسد كله، وأن أي موهبة بلا محبة تصير ضجيجًا لا قيمة له. فالمحبة لا تسقط أبدًا، أما المواهب فقد تُستخدم أو تتبدل، لكن المحبة تبقى علامة النضج الكنسي الحقيقي، وهي التي تحفظ الكنيسة من الانقسام والافتخار. لذلك يضع بولس كل المواهب تحت سقف المحبة، ويعلن أن حتى الإيمان الذي ينقل الجبال لا يساوي شيئًا إن خلا من المحبة، وأن كل عمل كنسي إذا انفصل عن هذه المحبة يفقد قوته وثمره. ويذكّر بأن بعض الأجيال انحرفت حين انبهرت بالمواهب والمعجزات، أما من استنارت عقولهم بالكلمة فعاشوا في المحبة وصاروا أعمق وأثبت.
بعد ذلك يدخل البابا شنوده إلى محور تدبير الله في خدمة بولس نفسه، موضحًا أن الرسول لم يكن يتحرك بعقلية بشرية أو بخطة إنسانية، بل كان يقاد بالروح القدس. فالروح منعه أحيانًا من الكلام، وأرسله أحيانًا إلى أماكن بعينها، وأحيانًا حجب عنه موضعًا أو جماعة، لا قسوة منه، بل لأن له تدبيرًا آخر. كما سمح في بعض الفترات أن يبتعد بولس عن مؤمنين معينين حتى ينمو فيهم الاعتماد على الله ويُثمر الروح فيهم أكثر. ويشبّه هذا بتربية الابن؛ فالأب لا يترك ابنه طفلًا دائمًا، بل يعلّمه المشي ثم يتركه شيئًا فشيئًا ليتحمل المسئولية. لذلك قد يظن المؤمن أن الغياب أو الصمت قسوة، بينما هو في الحقيقة وسيلة للنمو. ومن هنا يوبّخ الجهل الروحي المنتشر في الكنيسة، لأن كثيرين يقرؤون ولا يفهمون، ويحضرون القداس ولا يذوقون عمل الله، وتبقى الكلمات عندهم كأنها ألغاز. ولهذا يطلب أن ينير الروح الأذهان، حتى يقرأ المؤمن الكتاب لا كحروف بل كقوة وحياة. ويقول إن الجهل الروحي لا يُكتشف من كثرة الحضور بل من ثمر الحضور، ومن هنا تبرز الحاجة إلى قلوب مستنيرة لا إلى آذان فقط سامعة.
وفي تعليم «لا تهتموا للغد» يشرح البابا شنوده أن الرب يرفع عن الإنسان ثقل القلق ليعلّمه الثقة في العناية الإلهية. الله أب، والغد في يده، وليس في يد سلطان أو حكيم أو كبير، كما قال المسيح إن الآب السماوي يعرف ما نحتاج إليه قبل أن نسأله، وهو الذي يعطي أولاده العطايا الجيدة. ويؤكد أن الإنسان قد يميز بين الاهتمام والمسئولية من جهة، والهمّ والقلق من جهة أخرى. فالمسيحي الحقيقي دقيق في العمل، أمين، مهتم، لا يتواكل، لكنه ليس مضطربًا ولا متشائمًا، لأن قلبه ثابت في الله. أما القلق فيسرق الفرح ويجعل الإنسان أسير توقعات مظلمة، ويُدخل إليه ما ليس موجودًا بعد. ويعرض مثال يعقوب الذي اضطرب خوفًا من عيسو، ورتب الأمور بحسابات بشرية، ثم تبيّن أن يد الله كانت أقوى من خوفه. ومن ثم يكرر أن الاتكال على الله لا يعني الكسل، بل السلام الداخلي، لأن العمل يُؤدى في هدوء، والغد يُسلَّم لله. ويستحضر أيضًا حكمة المزامير في أن المتوكل على الرب لا يهاب خبرًا رديًا، وأن رحمته تحيط به. ويضيف أن القلق نفسه قد يتحول إلى مرض يسيطر على القلب والعقل، بينما السلام الروحي يحرر الإنسان من رهبة المستقبل ويجعله عاملًا بطمأنينة.
ثم ينتقل البابا شنوده إلى موضوع تدريب النفس والجسد، مستندًا إلى قول الرسول: «أُدَرِّبُ جَسَدِي». يشرح أن الإنسان بعد السقوط حمل في طبيعته عادات وشهوات وطبائع قديمة، وهذه لا تزول تلقائيًا، بل تحتاج إلى تدريب روحي ومجاهدة ونسك. ويقرر بوضوح أن الجسد لا يزول، بل سيقوم، والخطية لا تزول بزوال الجسد، بل بالتوبة. فالخطيئة مرتبطة بالإنسان الداخلي، ولذلك يجب أن يُخضع الإنسان أعضاءه، لا أن يخضع لها. ويذكر أن كثيرًا من طبائع الإنسان القديم هي وراثة وعادات ومكتسبات، مثل العنف والغضب والخبث والمراوغة والطمع وحب الانتقام وحب الظهور، وأن هذه الطبائع يمكن أن تُذلل بالنعمة والتدريب المستمر. ويؤكد أن التدريب ليس للرهبان وحدهم، بل لكل مسيحي، في أي مكان وفي أي ظروف. فالمؤمن مدعو إلى الصوم، والصلاة، والسهر، وضبط اللسان والعين والفكر، والتوبة المتكررة، وتفنن في أعمال الفضيلة. ومن دون هذا التدريب تعود الطبيعة القديمة بقبحها، أما معه فتُخضع النعمة الطبيعة وتحوّل الإنسان إلى إناء للبر. ولهذا يقول إننا لا نقتل الأجساد بل نقتل الأهواء، وبهذا يصير الجسد خادمًا لا سيدًا. ويشرح أن التدريب يستمر حتى حين يظن الإنسان نفسه قد تعوّد، لأن الطبائع القديمة تعود إذا أُهملت، ولذلك فالمثابرة هي سر الغلبة.
ويشرح البابا شنوده أن الحياة في الروح تتصارع مع الجسد بحسب المفهوم الكتابي، وأن ثمر الروح يختلف كليًا عن أعمال الجسد. فالسير بالروح يميت أعمال الجسد ويقود إلى الحياة والسلام والفرح والطهارة والوداعة، أما السير بحسب الجسد فيقود إلى الزنا والنجاسة والدعارة والخصام والغيرة والسخط والقتل وحب الذات والفساد. لذلك يربط بين التدريب والمعركة الروحية، لأن المؤمن ليس بلا صراع، بل هو في ساحة جهاد دائم حتى يصير الجسد خادمًا لا سيدًا، وتخضع الأعضاء للروح. ويضيف أن المؤمن الذي يضع أمامه هدف القيامة والحياة الأبدية يستطيع أن يقول مع بولس: «أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني». هذا النضج لا يأتي دفعة واحدة، بل بالاستمرار والصبر والعمل المتدرج في كل وصية، وبالطاعة المتصلة للروح. كما يؤكد أن النعمة لا تلغي الجهاد، بل تقوده وتثمره، وأن الله حين يعمل في الإنسان يقوي ضعفه ويجعله غالبًا. ومن هنا تصبح المجاهدة مرتبطة بالشركة مع النعمة، لا بثقة الإنسان في ذاته.
ثم يدخل إلى تفسير «مثل حبة الخردل». يوضح البابا شنوده أن ملكوت الله يبدأ صغيرًا جدًا، لكنه يحمل سر الحياة والتكاثر والنمو. فحبة الخردل صغيرة بين جميع البذور، لكنها حين تُزرع وتنمو تصير شجرة، فتأتي طيور السماء وتتعشعش في أغصانها. وهذه الصورة تعلن أن الملكوت يبدأ في القلب كبذرة خفية، لكنه يحمل قوة انتشار هائلة. فالرسل كانوا قلة ضعيفة جدًا أمام العالم، ولكنهم حملوا فيهم حياة المسيح، فانتشرت الكنيسة واتسع ظلها، وصارت راحة للمتعبين وملجأ للغرباء. ويشدّد على أن الملكوت لا يُبنى بالمال أو القوة أو الشهرة أو العلم، بل بحياة المسيح العاملة في القلب. لذلك يطلب أن ينمو ملكوت الله داخله كل يوم، وأن لا يعيش الإنسان بذاته، بل يخرج منه حب ورحمة وخدمة، فتتسع أغصانه كالشجرة الكبيرة. كما يربط بين هذا المثل وبين حبة الحنطة التي لا تثمر إلا إذا ماتت وسقطت في الأرض، لأن الموت هنا ليس فناءً بل عبور إلى حياة أغنى، ولأن الكنيسة نفسها هي ملكوت الله على الأرض، وأغصانها يجب أن تكون موضع سكنى وراحة للناس. ويطلب أن يظل قلبه أرضًا صالحة تُدفن فيها البذرة الروحية وتُسقى وتُفسح لها المجال للنمو.
وفي المثل نفسه يربط البابا شنوده بين الصغر الروحي والإنكار الذاتي والبذل. فحبة الخردل لا تبقى بذرة صلبة في قشرة ضيقة، بل تنفتح للحياة وتتضاعف حتى تصير شجرة تؤوي الطيور. هكذا المؤمن: لا بد أن يخرج من الصغر الروحي إلى النضج، ومن التركيز على الذات إلى خدمة الآخرين. ويطلب من الرب أن يجعل ملكوته ينمو في الداخل كل يوم، وأن يعلمه ألا يعيش لنفسه، بل للمحبة والبذل. ثم يشير إلى أن الكنيسة، حين تحيا روح المسيح، تصبح شجرة تظلل الضعفاء وتؤوي الغرباء وتمنح راحة للتائبين. فالملوكية الحقيقية ليست في التسلط، بل في الخدمة، والاتساع، والقدرة على احتواء الآخرين. كما أن كل نفس تحتضنها محبة المسيح تتحول إلى موضع سكنى وراحة، وتصبح أغصانها مظلة للآخرين.
ثم يفسر «مثل الزارع» باعتباره مثالًا واضحًا للنمو الروحي. فالكلمة تُلقى كبذرة في أرض القلب، ثم تعمل بصمت، فتؤتي أولًا نباتًا ثم سنبلًا ثم قمحًا ملآنًا في السنبل. النمو هنا طبيعي لكنه سري، لا يدركه الإنسان في بدايته، لكنه يراه في النهاية. ومن ثم يربط البابا شنوده بين النمو الروحي وبين امتداد ملكوت الله في الإنسان: يبدأ صغيرًا، ثم يتعمق، ثم يتم، ثم يثمر. ويقول إن كثيرين يحاولون أن يقيسوا العمل الروحي بالعقل وحده، لكن نمو الملكوت لا يُحاط بالمقاييس المادية، لأنه عمل الروح في الداخل. لذلك يشجع على أن تُزرع الكلمة في القلب، وتُسقى بالصلاة، وتُحفظ بالتوبة، وتُنتظر بصبر حتى يأتي وقت الحصاد. وبهذا يصبح المؤمن من الذين يحصدون في أوانه الخير ويثمرون للأبدية، لا الذين يسرع أحدهم إلى النتائج قبل أوانها. كما يوضح أن النمو يحتاج إلى نظام، وأن الزيادة والعمق ليسا من الجسد بل من روح الله العامل في الإنسان، وأن حياتنا الروحية لا تقاس بلحظة بل باستمرار العمل الإلهي الصامت.
ثم يصل البابا شنوده إلى «مثل الوكيل الظالم»، وهو مثل يلفت الانتباه إلى الأمانة في الوكالة. يوضح أن الإنسان وكيل على الخلقة، وعلى الجسد، وعلى الزمن، وعلى المال، وعلى المواهب، وعلى الخدمة، وعلى الأسرار. لذلك لا يملك أن يتصرف كما يشاء، لأن كل شيء هو من الله ولأجله. والوكيل الناجح هو الأمين والحازم والعاقل، الذي يعرف أنه سيسأل عن وكالته. ومن هنا يذكر أن الإنسان في الكنيسة وكيل على جسد الرب، وعلى الاعترافات، وعلى التعليم، وعلى الخدمات المختلفة، وأن الكاهن نفسه مؤتمن على أسرار الله. لذلك يرتعب البابا شنوده من فكرة أن الإنسان قد يظن أنه مالك، بينما هو مجرد وكيل. ثم ينتقل إلى مثل لعازر والغني، ليظهر المفارقة العظمى بين من عاش للجسد ومن عاش للروح. الغني الذي ترفه يوميًا واهتم بالجسد وحده، وأفنى أيامه في الترف واللحم والشراب، انتهى إلى العذاب، بينما لعازر الفقير المطروح عند بابه، المجروح والمملوء قرحًا، صار في حضن إبراهيم. وفي هذا يبين أن الغنى والفقر الأرضيين لا يصنعان المصير، بل نوع الحياة: حياة الجسد أو حياة الروح. فالمصير الأبدى يتحدد هنا، بحسب ما عاشه الإنسان من شبع أرضي أو جوع روحي، من بذل أو أنانية، من رحمة أو قساوة. ويجعل من المشهد كله تحذيرًا من الانحصار في الجسد وملذاته، لأن ما يُزرع هنا يظهر هناك في الأبدية.
وفي خاتمة الكتاب يلتفت البابا شنوده إلى مثل عرس ابن الملك، باعتباره أعمق صورة للملكوت والفرح والدعوة. يشرح أن الملك أعد عرسًا لابنه، وأرسل عبيده يدعون المدعوين، لكنهم رفضوا واستهانوا، وبعضهم أمسك عبيده وأهانهم وقتلهم. لذلك حرمتهم دعوتهم بسبب رفضهم الحر، وأما المدعوون من الطرق والحدود فدخلوا إلى الفرح. ويؤكد أن عرس الملكوت هو شركة حقيقية مع المسيح، وأنه فرح سماوي لا يُعبَّر عنه بلسان بشري، لأنه دخول إلى بهجة الملك مع ابنه، وفيه مائدة وكمال وعرس حقيقي. ويقف عند صورة الثوب العرسي باعتباره ثوب النعمة والطهارة، لا الثوب القديم البالي. فالذي يدخل إلى العرس بغير الثوب المناسب يُطرح خارجًا، لأن الدعوة مجانية حقًا لكنها ليست رخيصة؛ إنها تُعطى بالنعمة، لكنها تطلب حياة لائقة. لذلك يطلب البابا شنوده أن يُستبدل الثوب القديم بثوب المعمودية والتوبة المستمرة، وأن يُحفظ المؤمن داخل دعوته، مستعدًا لعرس الملكوت. ويختم برجاء أن يسير المسيحي في صوم وطاعة وصلاة وخضوع لتدبير الله، حتى يدخل إلى الفرح الأبدي، حيث لا حزن ولا دموع، بل سكنى مع العريس الحقيقي، المسيح، في بهاء المجد السماوي. ويستعير من سفر الرؤيا صورة المدينة السماوية والعروس المتزينة، ليؤكد أن غاية كل جهاد هي الدخول إلى هذا الفرح الذي لا يزول.