السيرة
في مثل هذا اليوم تنيَّح الأب القديس الناسك الأنبا سرابامون رئيس كهنة دير أبو يحنس (يوحنا). ترهَّب هذا القديس في صباه بدير القديس أبو يحنس، ومكث فيه اثنتين وثلاثين سنة في عبادة الله وخدمة الشيوخ. ثم رُقِّيَ إلى رتبة رئيس الكهنة (القمص) على الدير، وعُهِد إليه بتدبيره. وزاد على أعماله البارّة وتقشُّفه، فكان يقضي نهاره صائمًا منذ يوم رهبنته حتى يوم نياحته. وبعد أن أمضى عشرين سنة في تدبير الدير، حبس نفسه في كنيسة فلم يره أحد مدة عشر سنوات، لم يكن يأكل خلالها إلا يومَي السبت والأحد.
ولما قرُبَ زمان نياحته، ظهر له ملاك الرب في رؤيا وأعطاه صليبًا من نار قائلًا: «خذ هذا الصليب في يدك». فأجاب القديس: «كيف أمسك النار بيدي؟» فقال الملاك: «لا تَخَفْ، فإن المسيح لم يُسلِّط النار عليك». فمدَّ القديس يده وأخذ الصليب من الملاك. ثم قال له الملاك: «تقوَّ، وتناول من الأسرار المقدسة، وبعد ثلاثة أيام آتي وآخذك».
فلما استيقظ من نومه، أخبر الشيوخ برؤياه، فبكوا وودَّعوه وطلبوا منه أن يذكرهم، فسألهم أن يذكروه في صلواتهم. وتنيَّح في اليوم الثالث والشيوخ محيطون به. صلاته تكون معنا. آمين.
٢. تذكار استشهاد القديسة أفدوكيا (أفتيشيا). في مثل هذا اليوم أيضًا تذكار القديسة أفدوكيا، التي تُفسَّر «السعادة». كانت هذه القديسة سامرية الجنس والديانة، من مدينة بعلبك. وكان اسم أبيها يونان واسم أمها حكيمة. وقد عاشت أول حياتها في الفجور، فبجمال وجهها وحُسن منظرها أعثرت كثيرين وأوقعتهم في الخطية، فاقتنت بذلك ثروة عظيمة.
وسمع عنها راهب قديس من أورشليم يُدعى جرمانوس، فذهب إليها ووعظها بكلام رصين مخيف، ذاكرًا لها الجحيم والدود والظلمة والعقوبات المرعبة التي هناك. فسألته: «هل يقوم الجسد بعد الموت وبعدما يصير ترابًا ليُدان؟» فأجاب: «نعم». فسألته: «ما البراهين على ما قلت، إذ إن التوراة التي أعطاها الله لموسى النبي ولآبائي لم تذكر ذلك؟» فشرح لها بالبراهين الكتابية والعقلية حتى اقتنعت. فسألته: «إن رجعتُ عن أعمالي الشريرة، أيقبلني الله؟» فأجاب: «إن آمنتِ أن الرب المسيح قد أتى إلى العالم ورفع خطايانا بصلبه، وتُبتِ الآن توبة صادقة واعتمدتِ، فإنه يقبلكِ ولا يذكر شيئًا مما فعلتِ، بل تكونين كأنكِ قد وُلِدتِ للتو».
فانفتح قلبها للإيمان، وطلبت منه أن يعينها على إتمام ذلك. فأخذها إلى أسقف بعلبك، فاعترفت أمامه بالثالوث القدوس وتجسُّد الكلمة وصلبه. وفيما كان الأسقف يصلّي على الماء ليعمّدها، فتح الرب ذهنها فرأت ملاكًا يجذبها إلى الماء وسائر الملائكة يفرحون لأجلها. ثم رأت شخصًا قبيح المنظر مرعبًا يحاول أن يجذبها بعيدًا عنهم، وكان غاضبًا عليها. فزاد ما رأته رغبتها في التوبة والمعمودية.
وبعد معموديتها، وزّعت كل ما اقتنته من ثمرة خطيتها على الفقراء والمحتاجين، ودخلت ديرًا للراهبات ولبست زيّ الرهبنة وجاهدت جهادًا حسنًا كاملًا. فدخل الشيطان في بعض معارفها فأخبروا الوالي عنها، فأمر رجاله بإحضارها. ولما دخلت بيته وجدت نوحًا وبكاءً عظيمًا، إذ كان ابن الوالي قد مات لتوّه. فأتت إلى حيث كان الابن مُسجًّى، وصلّت متضرعة إلى الرب المسيح من أجله، فأقامه من الموت، فآمن الوالي بالمسيح بواسطتها.
وسمع عنها والٍ آخر يُدعى ديوجينس، فأحضرها أمامه، فرأت جنديًا واقفًا أمامه أعمى في إحدى عينيه، فصلّت ورشمت علامة الصليب على العين ففُتِحت، فأطلقها الوالي في الحال. وبعد ذلك بقليل عُيِّن والٍ آخر يُدعى بكيفيوس، فسمع عنها وأمر بإحضارها. فسألت الرب المسيح أن يعطيها نصيبًا مع الشهداء. فأمر الوالي بقطع رأسها، فنالت إكليل الشهادة. شفاعتها تكون معنا. آمين.
٣. استشهاد القديس بطرس القس. في مثل هذا اليوم أيضًا تنيَّح القس الجليل القديس بطرس. قضى هذا الأب حياته صائمًا، وحبس نفسه ودأب على الصلاة ليلًا ونهارًا. فأنعم عليه الرب بموهبة معرفة المستقبل وشفاء المرضى بالماء والزيت بعد الصلاة عليهما. ورُسِم قسًّا بعد تمنُّعٍ كثير، وأُلزِم بالطاعة للأمر. فكان يرفع البخور ويقيم القداس يوميًّا، فيفرح أهل المدينة قائلين: «ليمنحنا الرب غفران خطايانا بصلواته وطلباته». وكان له قوة عجيبة في المصالحة بين المتخاصمين.
وبينما كان يصلّي ذات ليلة، ظهر له القديس بطرس الرسول وقال له: «السلام لك، لأنك حفظت الكهنوت بلا عيب. السلام لك، لأن صلواتك وقداديسك قد صعدت كرائحة بخور زكية». فلما رآه القديس ارتعب، فقال له بطرس: «أنا بطرس الرسول، لا تَخَفْ، فإن الرب قد أرسلني لأعزّيك وأُعلمك أنك راحل من هذا العالم المتعِب إلى الملكوت الأبدي، فافرح وتعزَّ». ففرح القس بذلك وقال: «اذكرني يا أبي». وما إن قال ذلك حتى تنيَّح بفرحٍ ومجدٍ وكرامة. الرب يرحمنا بصلواته وبركاته، والمجد لله دائمًا. آمين