السيرة
في مدينة الأقصر، حيث تختلط ذاكرة مصر القديمة بنور الإيمان المسيحي، وُلد طفل وحيد لأبوين بسيطين وفقيرين. دُعي يوأنس، واشتهر بين الناس باسم ونس. لم تكن طفولته عادية؛ فقد أحب الكنيسة منذ صغره، وكان يجد فرحه في الصلاة وسماع الكتاب المقدس وتعلّم الألحان وخدمة المذبح.
رأى فيه أسقف المدينة قلبًا نقيًا وناضجًا، فأقامه شماسًا رغم حداثة سنه. كان ونس يساعد في إعداد القربان في أيام القداسات، ويعيش ببساطة شديدة في بقية الأيام. لم يكن يطلب لنفسه راحة أو مديحًا، بل كان يميل إلى الفقراء ويقضي وقته قريبًا من بيت الله. وكان يقرأ سير الشهداء كأنها رسائل شخصية إليه، فيتعلم منها أن محبة المسيح أقوى من الخوف.
وفي زمن الاضطهاد، جاء الجنود إلى المدينة يطلبون من المؤمنين أن يتركوا إيمانهم. خاف كثيرون، أما ونس الصغير فكان يشجعهم ويذكرهم بالمسيح المصلوب والقائم. وصل خبره إلى الوالي، فأُخذ الصبي وهددوه وعذبوه. لكنه لم ينكر سيده، بل ثبت بإيمان هادئ وشجاع. وأخيرًا نال إكليل الشهادة بقطع رأسه في اليوم السادس عشر من شهر هاتور.
حمل المؤمنون جسده بدموع وكرامة، وحفظت الأقصر ذكراه جيلًا بعد جيل. وتوارث الناس أنه صار شفيعًا سريعًا في العثور على الأشياء المفقودة. ولكن شفاعته لا تذكّرنا بالمفاتيح والأوراق فقط، بل بما هو أعمق: أن الإنسان قد يضيع منه سلامه أو رجاؤه أو بساطته، فيتعلم من ونس أن القلب الذي يمسك بالمسيح لا يفقد كنزه الحقيقي.
وتحكي الذاكرة الشعبية أيضًا عن إكرام جسده بعد سنوات طويلة، وعن محبة أهل الأقصر له وزياراتهم لمزاره. هذه التفاصيل تحمل طابع التقليد المحلي، لكنها تكشف شيئًا مهمًا: أن الكنيسة لم ترَ في ونس مجرد طفل مات صغيرًا، بل شاهدًا ظل حيًا في ضمير المؤمنين. صورته في ثوب الشماس، ممسكًا بالصليب، تقول للأطفال والكبار إن الخدمة ليست بعدد السنين، وإن الشجاعة قد تسكن قلبًا صغيرًا حين يمتلئ بمحبة الله. لذلك يبقى ونس قريبًا من البيوت، من قلق الأمهات، ومن بساطة الناس الذين يطلبون معونته بثقة وفرح.