السيرة
في مثل هذا اليوم من سنة ١٣٦٢ للشهداء (٣١ مارس سنة ١٦٤٦ ميلادية)، في سبت لعازر، تنيَّح البابا متاؤس الثالث، البطريرك المئة. وقد عُرف باسم متى الطوخي، وهو ابن أبوين مسيحيين من مدينة طوخ النصارى بمحافظة المنوفية، وكانا خائفَين الله، يهتمان بالغرباء ويُحسنان إلى الفقراء والمحتاجين. فرزقهما الله ابنًا دعواه تادرس، وربياه تربية صالحة، وأدّباه بكل أدب روحي، وعلّماه كتب الكنيسة المقدسة. وقد حلّت نعمة الله على هذا الابن المبارك، فانكبّ على دراسة التعليم المسيحي وتعليمه. ثم حرّكته نعمة الله إلى الحياة الملائكية النسكية، فخرج من بلدته، وترك أهله وأقاربه، وتبع وصايا الرب المسيح، ومضى إلى برية شيهيت. فترهّب في دير القديس العظيم الأنبا مقار، وجاهد جهادًا عظيمًا في النسك والعبادة. ثم رسموه قسًّا فازداد نسكًا ونما في الفضائل، فرقّوه قمّصًا ورئيسًا للدير.
وبعد قليل تنيَّح البابا يوأنس الخامس عشر، البطريرك التاسع والتسعون، فاجتمع الآباء الأساقفة والكهنة والأعيان ليختاروا من يستحق أن يُرفَع إلى كرسي القديس مار مرقس. وداوموا على الصلاة طالبين من الرب المسيح، له المجد، أن يختار لهم راعيًا صالحًا يحرس قطيعه من الذئاب الخاطفة. وبمشيئة الرب المسيح، راعي الرعاة، اتفق الجميع على اختيار الأب تادرس قمّص دير الأنبا مقار. فمضوا إلى الدير وأخذوه قسرًا، ورسموه بطريركًا باسم متاؤس في الرابع من النسيء (أيام النسيء) سنة ١٣٤٧ للشهداء (٧ سبتمبر سنة ١٦٣١ ميلادية)، وترأّس الأنبا يوأنس مطران دير السريان خدمة الرسامة.
ولما جلس هذا البابا على الكرسي الرسولي، اعتنى برعية المسيح أحسن اعتناء، وكان في بدء أيامه سلام وطمأنينة للمؤمنين، واستراحت الكنائس من الضيقات التي كانت تحت وطأتها. فحسده الشيطان عدو الخير، وحرّك عليه بعض أهل الشر، فمضوا إلى الوالي بمصر وأخبروه أن كل من يجلس على الكرسي البطريركي يدفع للوالي مالًا كثيرًا. فأصغى الوالي إلى وشايتهم، واستدعى البطريرك ليجبي منه المال المقرّر. فذهب الأعيان لمقابلة الوالي، فلم يسأل عن غياب البطريرك، بل ناقشهم في المال الذي يدفعه البطريرك، وألزمهم أن يأتوا بأربعة آلاف دينار. فانصرفوا عنه بحزن وكآبة من أجل الغرامة الثقيلة.
لكن الله، له المجد، الذي لا يشاء أن يهلك أحد، جعل رحمة في قلب رجل يهودي فدفع الغرامة المطلوبة للوالي. ووعد الأعيان ذلك الرجل أن يردّوا له ماله، فقسّموا الغرامة فيما بينهم، وخصّصوا للبابا جزءًا يسيرًا من هذه الغرامة الثقيلة ليدفعه. فمضى إلى الصعيد ليجمع المبلغ المطلوب منه، ولأجل إيمانه وثقته القوية بمعونة الله، أعطاه الناس بقلوب رحيمة وعن طيب خاطر ما طلبه منهم. وبعد قليل قدِم إلى الوجه البحري ليفتقد رعيته، فمضى إلى مدينة برما، فجاء إليه أهل مدينة طوخ بلدته ودعوه أن يأتي ليزور المدينة لينالوا بركته، فأجاب طلبهم.
وفي أيام هذا البطريرك حلّ بأرض مصر كلها غلاء عظيم لم يحدث مثله من قبل، فتألّم الناس كثيرًا ومات كثيرون. وأرسل ملك الحبشة إلى البطريرك يطلب مطرانًا، فرسم له البابا متاؤس مطرانًا من أهل مدينة أسيوط وأرسله إليهم. فحلّت بهذا المطران ضيقات وأحزان كثيرة وهو هناك، حتى نحّوه ورسموا آخر عوضًا عنه.
وبعد أن أتمّ البابا افتقاده لأهل الوجه البحري، وقبوله دعوة أهل طوخ لزيارة مدينتهم، سار معهم من برما في طريقهم إلى طوخ النصارى. ولما اقترب من المدينة، استقبله الكهنة وجموع المسيحيين بإكرام وتوقير وألحان روحية تليق بكرامته، فدخل الكنيسة بإكرام ومجد، ومكث عندهم سنة واحدة يعظ الشعب ويعلّمه.
وفي السبت المبارك، تذكار اليوم الذي أقام فيه الرب لعازر من الأموات، اجتمع بالكهنة والشعب بعد القداس، وأكل معهم، وودّعهم قائلًا بإرشاد الروح القدس إن قبره سيكون في كنيسة هذه المدينة وإنه لن يفارق طوخ. ثم صرف الشعب، ومضى ليستريح في بيت أحد الشمامسة. ولما عاد الشماس إلى بيته، طرق باب حجرة البابا، فلما لم يجد جوابًا دخل الحجرة فوجد البطريرك مضطجعًا على سريره، ناظرًا نحو الشرق، ويده على صدره كهيئة الصليب المقدس، وقد فاضت روحه في يدي الرب. فجاء الكهنة والشعب مسرعين فوجدوه قد تنيَّح ولم تتغير نظرته، بل كان وجهه مشرقًا كالشمس. فحملوا جسده المبارك إلى الكنيسة، وصلّوا عليه كما يليق بالآباء البطاركة، ودفنوه في الكنيسة في مدينة طوخ بلدته. وقد أقام على الكرسي الرسولي أربع عشرة سنة وستة أشهر وثلاثة وعشرين يومًا، لم يأكل فيها لحمًا ولم يشرب خمرًا، وتنيَّح بشيخوخة صالحة.
صلاته تكون معنا، ولربنا المجد دائمًا. آمين