السيرة
أشرق القديس مارون في أرض سوريا في القرن الرابع، في نواحي قورش بالقرب من أنطاكية، رجلاً مكرّساً كلّيةً لمحبة الله. وإذ نبذ راحات العالم، اختار لنفسه الطريق الضيّق طريق نسّاك البرية، لكي يخدم الرب بغير انشغال.
اتخذ له مسكناً على تلٍّ عالٍ منفرد، حيث عاش تحت السماء المكشوفة بلا سقفٍ يستره. واحتمل الريح والمطر، وحرّ الصيف وبرد الشتاء، كعطايا من يد الله. وقضى أيامه ولياليه في صلاةٍ بلا انقطاع، وفي السهر والصوم وأتعاب الجهاد النسكي، مميتاً الجسد لكي تستنير نفسه. ولمّا وجد هيكلاً كان قد كُرِّس قديماً للأوثان، طهّره وكرّسه لعبادة الله الحيّ، وهناك كان يسكب صلواته.
والربُّ الذي يمجّد ممجّديه، وهب لعبده مارون نعمة الشفاء. فكان يُحمل إليه المرضى في الأجساد والمضطربون في النفوس، فيشفيهم بقوة المسيح؛ وكان يطرد الأرواح النجسة، ويحلّ كثيرين من قيود أهوائهم. ولم يكن يجاهد لأجل الجسد فحسب، بل لأجل النفس بالأكثر، رادّاً الخاطئ إلى التوبة، ومُوقِداً في الفاترين نار المحبة الإلهية.
وأتى كثيرون ليجلسوا عند قدميه ويتعلّموا منه طريق القداسة، فكان يوصيهم أن يعيشوا في التعفّف، وأن يسهروا على خلاصهم، وأن يحفظوا قلوبهم من محبة المال ومن الغضب. وعلى يديه وبمثاله نشأت أديرة في تلك البلاد، وتبع سيرته جمعٌ عظيم من التلاميذ، كان منهم النسّاك القديسون يعقوب السائح وليمنيوس والمغبوطة دومنينا، الذين صاروا كواكب منيرة في حياتهم.
وبلغ صيت قداسته حتى إن القديس يوحنا ذهبي الفم، فم الكنيسة الذهبي، كتب إليه من منفاه بمحبةٍ ووقارٍ عميقين، طالباً صلوات الناسك القديس.
وبعد أن جاهد طويلاً في كرم الرب وبلغ شيخوخةً مكرّمة، تنيّح القديس مارون إلى الراحة الأبدية التي اشتاق إليها بحرارة، وقُبِلت نفسه في مساكن الأبرار. وجمع المؤمنون رفاته الثمين بإكرامٍ عظيم، وقام على قبره ديرٌ صار منارةً لكل تلك البلاد، حيث حُفِظت ذكراه والتُمِست شفاعاته.
تعيّد الكنيسة المقدّسة لذكرى أبينا البار مارون الناسك في الرابع عشر من شباط. بصلواته يرحمنا الرب ويهبنا نصيباً في ملكوته. آمين.