السيرة
لم يكن سمعان الخراز من أصحاب المناصب أو الشهرة. كان رجلاً بسيطًا يعمل بيديه في الجلود، في حرفة متعبة لا يلتفت إليها كثيرون. دعاه الناس الخراز أو الدباغ أو الإسكافي، لكن كل الأسماء تشير إلى إنسان واحد: عامل مسيحي متضع يعيش من تعب يديه.
وقبل أن يبدأ عمله كل صباح، كان يحمل الماء للمرضى والمسنين والذين لا يستطيعون أن يجلبوه لأنفسهم. هذه الخدمة الصغيرة هي مفتاح سيرته. قبل أن يتحرك جبل المقطم، كان قلب سمعان قد تحرك نحو الضعفاء. وقبل أن يعرفه الناس كصاحب معجزة، كان الله يعرفه كخادم مخفي.
في أيامه كان المعز لدين الله يحب مجالس الحوار الديني. وفي إحدى المناظرات اشتد الموقف على الأقباط، إذ استُخدمت آية الإنجيل عن الإيمان الذي ينقل الجبال لتحدي البابا إبرام: إن كان كلام المسيح حقًا، فليتحرك جبل المقطم. طلب البابا ثلاثة أيام، وجمع الأساقفة والكهنة والشعب في صوم وصلاة بكنيسة المعلقة.
وفي فجر اليوم الثالث ظهرت العذراء للبابا، وأرشدته إلى رجل أعور يحمل ماء في الطريق. خرج البابا فوجده: سمعان الخراز. لم يكن الرجل يبحث عن كرامة، بل كان في خدمته اليومية. ولما عرف الأمر، حاول أن يختفي من المديح، لكنه أطاع. طلب أن يخرج الشعب للصلاة، وأن يصرخوا: يا رب ارحم، وأن يسجدوا ويرشم البابا الصليب.
وقف الجميع أمام الجبل: الخليفة ورجاله من جهة، والبابا والشعب من جهة أخرى. صلوا وسجدوا، وتقول الكنيسة إن الجبل ارتفع وتحرك بقوة الله. وبعد المعجزة بحثوا عن سمعان فلم يجدوه. اختفى كما عاش: هاربًا من مديح الناس، مكتفيًا بأن يكون خادمًا للرب.
سيرة سمعان تعلمنا أن الإيمان العظيم يبدأ في الأعمال الصغيرة: ماء يُحمل لمريض، توبة في الخفاء، طهارة قلب، وصلاة لا تطلب المجد لنفسها.
ومن المهم أن نتذكر أن سمعان لم يكن بطريركًا ولا أسقفًا ولا راهبًا مشهورًا. كان علمانيًا بسيطًا، لكن حياته اليومية كانت مذبحًا خفيًا. هذا يعطي رجاءً لكل إنسان يظن أن القداسة بعيدة عنه بسبب عمله أو فقره أو بساطة مكانه. فالرب وجد في دكان الخراز قلبًا مستعدًا، ووجد في خدمة الماء إيمانًا قادرًا أن يشترك في معجزة عظيمة.
بعد تحرك الجبل لم يقف سمعان ليأخذ المديح. اختفى، لأن هدفه لم يكن أن يعرفه الناس بل أن يخلص شعب الله. لذلك تبقى صورته قوية: رجل بعين واحدة، يحمل قربته، وخلفه جبل المقطم. العين المفقودة تذكر بالتوبة، والقربة تذكر بالرحمة، والجبل يذكر أن الله يعمل بأضعف وأتضع الناس عندما يضعون أنفسهم بين يديه.