السيرة
في مثل هذا اليوم تنيَّح القديس العظيم فريسكا أو أونيسيفورُس، أحد الرسل السبعين. كان هذا الرسول إسرائيليًّا من سبط بنيامين. وكان والداه يحفظان ناموس موسى، وكانا من الذين تبعوا المخلِّص وأصغوا إلى تعاليمه وعاينوا عجائبه ومعجزاته. ولمَّا أقام ربُّنا ابن الأرملة في مدينة نايين، كان هذا القديس حاضرًا. فمضى دون تأخير إلى الرب المسيح في الحال، تاركًا نور سراج الناموس اليهودي ليستنير بشمس البر. وآمن به من كل قلبه، واعتمد، وصار واحدًا من الرسل السبعين، وكان حاضرًا مع التلاميذ في العليَّة بصهيون وقت حلول الروح القدس. وقد بشَّر بالإنجيل في بلاد كثيرة.
ورُسِّم أسقفًا على خورانياس، حيث بشَّر أهلها وأنارهم بتعاليمه وعظاته ثم عمَّدهم. ولمَّا أكمل جهاده المقدَّس تنيَّح بسلام. ونال إكليل المجد السماوي، وكان عمره سبعين سنة، منها تسع وعشرون سنة يهوديًّا وإحدى وأربعون سنة مسيحيًّا. وقد ذكره القديس بولس في رسالته الثانية إلى تيموثاوس (٢ تيموثاوس ٤: ١٩). بركة صلاته تكون معنا. آمين.
٢. نياحة البابا متاؤس، البطريرك المئة لكرسي الإسكندرية
في مثل هذا اليوم أيضًا من سنة ١٣٦٢ للشهداء (٣١ مارس سنة ١٦٤٦ ميلادية) في سبت لعازر، تنيَّح البابا متاؤس الثالث، البطريرك المئة. وكان يُعرف باسم متى الطوخي، ابن أبوين مسيحيين من مدينة طوخ النصارى بمحافظة المنوفية. وكانا يخافان الله، يهتمَّان بالغرباء ويصنعان الإحسان للفقراء والمحتاجين. فأنعم الله عليهما بابنٍ سمَّياه تادرس، وربَّياه تربية حسنة. وأدَّباه بكل أدبٍ روحي، وعلَّماه كتب الكنيسة المقدَّسة. فحلَّت نعمة الله على هذا الابن المبارك، فكرَّس نفسه لدراسة التربية المسيحية وتعليمها. وحرَّكته نعمة الله إلى الحياة الملائكية النُّسكية، فخرج من بلدته، وترك أهله وذويه، وتبع وصايا الرب المسيح، ومضى إلى برية شيهيت. فترهَّب في دير القديس العظيم الأنبا مقار، وجاهد جهادًا عظيمًا في النُّسك والعبادة. ورسَموه قسًّا فازداد في النُّسك ونما في الفضائل، ثم رقَّوه قمَّصًا ورئيسًا للدير.
وبعد قليل تنيَّح البابا يوأنس الخامس عشر، البطريرك التاسع والتسعون، فاجتمع الآباء الأساقفة والكهنة والأراخنة ليختاروا من يصلح أن يُرقَّى إلى كرسي القديس مرقس. وداوموا على الصلاة طالبين من الرب المسيح، الذي له المجد، أن يختار لهم راعيًا صالحًا يحرس قطيعه من الذئاب الخاطفة. وبمشيئة الرب المسيح، راعي الرعاة، اتَّفق الجميع على اختيار الأب تادرس قمُّص دير الأنبا مقار. فمضوا إلى الدير وأخذوه قهرًا، وأجلسوه بطريركًا باسم متاؤس في الرابع من النسيء (الأيام الزائدة) سنة ١٣٤٧ للشهداء (٧ سبتمبر سنة ١٦٣١ ميلادية)، وترأَّس الأنبا يوأنس مطران دير السريان خدمة التجليس.
ولمَّا جلس هذا البابا على الكرسي الرسولي، اعتنى بقطيع المسيح أحسن اعتناء، وكان في أوائل أيامه سلامٌ وطمأنينةٌ للمؤمنين، واستراحت الكنائس من الضيقات التي كانت تحت وطأتها. فحسده الشيطان عدوُّ الخير، وحرَّك بعض أهل الشر على البابا، فمضوا إلى الوالي بمصر وقالوا له إن كل من يجلس على الكرسي البطريركي يدفع مالًا كثيرًا للوالي. فأصغى الوالي إلى وشايتهم، واستدعى البطريرك ليجمع المستحقات. فمضى الأراخنة لمقابلة الوالي، فلم يسأل عن غياب البطريرك بل تحدَّث عن المستحقات التي يدفعها البطريرك، وألزمهم بإحضار أربعة آلاف دينار. فانصرفوا عنه بحزنٍ وكآبة بسبب الغرامة الثقيلة.
لكن الله، الذي له المجد، الذي لا يشاء أن يهلك أحد، جعل الرحمة في قلب رجلٍ يهودي فدفع الغرامة المطلوبة للوالي. ووعد الأراخنة ذلك الرجل بأن يردُّوا له ماله، فقسَّموا الغرامة فيما بينهم، وخصَّصوا للبابا جزءًا يسيرًا من هذه الغرامة الثقيلة يدفعه. فمضى إلى الصعيد ليجمع المبلغ المطلوب منه، ولأجل إيمانه وثقته القوية بمعونة الله، أعطاه الشعب بقلبٍ متعطِّفٍ وبطيب خاطرٍ ما طلبه منهم.
وبعد قليلٍ جاء إلى الوجه البحري ليفتقد قطيعه، فمضى إلى مدينة برما، فجاء إليه أهل مدينة طوخ بلدته ودعوه أن يأتي ليزور المدينة لينالوا بركته، فلبَّى طلبهم. وفي أيام هذا البطريرك حلَّ بكل أرض مصر جوعٌ عظيمٌ لم يحدث مثله من قبل، فتألَّم الشعب كثيرًا ومات كثيرون. وأرسل ملك الحبشة إلى البطريرك يطلب مطرانًا، فرسَم لهم البابا متاؤس مطرانًا من أهل مدينة أسيوط وأرسله إليهم. وحلَّت بهذا المطران ضيقاتٌ وأحزانٌ كثيرة وهو هناك، حتى عزلوه ورسَموا آخر عوضًا عنه.
وبعدما أكمل البابا افتقاده الرعوي لأهل الوجه البحري وقبوله دعوة أهل طوخ لزيارة مدينتهم، خرج من برما معهم في طريقه إلى طوخ النصارى. ولمَّا اقترب من المدينة، استقبله الكهنة وجموع المسيحيين بإجلالٍ وتوقيرٍ وألحانٍ روحية تليق بكرامته. فدخل الكنيسة بكرامةٍ ومجد، وأقام معهم سنةً يعظ الشعب ويعلِّمه. وفي السبت المبارك، تذكار اليوم الذي أقام فيه الرب لعازر من الأموات، اجتمع بالكهنة والشعب بعد القدَّاس، وأكل معهم، وودَّعهم قائلًا، بإرشاد الروح القدس، إن قبره سيكون في كنيسة هذه المدينة وإنه لن يفارق طوخ. وصرف الشعب، ومضى ليستريح في بيت أحد الشمامسة.
ولمَّا عاد الشماس إلى بيته، طرق باب حجرة البابا، فلمَّا لم يَلقَ جوابًا دخل الحجرة فوجد البطريرك راقدًا على سريره، ووجهه نحو الشرق، ويده على صدره كالصليب المقدَّس، وقد فاضت روحه في يدَي الرب. فجاء الكهنة والشعب مسرعين فوجدوه قد تنيَّح ولم تتغيَّر هيئته، بل كان وجهه مشرقًا كالشمس. فحملوا جسده المبارك إلى الكنيسة، وصلَّوا عليه كما يليق بالآباء البطاركة، ودفنوه في الكنيسة بمدينة طوخ بلدته. وقد أقام على الكرسي الرسولي أربع عشرة سنة وستة أشهر وثلاثة وعشرين يومًا، لم يأكل فيها لحمًا ولم يشرب خمرًا، وتنيَّح بشيخوخةٍ صالحة. بركة صلاته تكون معنا، والمجد لله دائمًا. آمين.